العيني

7

عمدة القاري

ثم اللون . قوله : ( ويديه إلى المرفقين ) أي : كل واحدة ، كما جاء هكذا مبيناً في رواية معمر عن الزهري كما يجيء في كتاب الصوم ، وكذا في رواية مسلم من طريق يونس ، وفيهما تقديم اليمنى على اليسرى ، والتعبير في كل منهما بكلمة : ثم ، وكذا في الرجلين أيضاً . قوله : ( ثم مسح برأسه ) وفي الروايتين المذكورتين ، ثم مسح رأسه بلا باء ، الجر والفرق بينهما أن في الأول لا يقتضى استيعاب المسح بخلاف الثاني . قوله : ( نحو وضوئي هذا ) قال النووي : إنما قال : نحو وضوئي ، ولم يقل : مثل ، لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره ، وفيه نظر ، لأنه جاء في رواية البخاري في الرقاق من طريق المعاذ بن عبد الرحمن عن حمران عن عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، ولفظه : ( من توضأ مثل هذا الوضوء ) . وجاء في رواية مسلم أيضاً ، من طريق زيد بن أسلم عن حمران : ( من توضأ مثل وضوئي هذا ) ، والتقدير : مثل وضوئي ، وكل واحد من لفظة : نحو ومثل . من أداة التشبيه والتشبيه لا عموم له ، سواء قال : نحو وضوئي هذا ، أو : مثل وضوئي ، فلا يلزم ما ذكره النووي . وقال بعضهم : فالتعبير : بنحو ، من تصرف الرواة لأنها تطلق على المثلية مجازاً ، ليس بشيء ، لأنه ثبت في اللغة مجىء : نحو ، بمعنى : مثل . يقال : هذا نحو ذاك ، أي : مثله . قوله : ( لا يحدث فيهما ) أي : في الركعتين ، قال القاضي عياض : يؤيد بحديث النفس الحديث المجتلب والمكتسب ، وأما ما يقع في الخاطر غالباً فليس هو المراد . وقال بعضهم : هذا الذي يكون من غيره قصد يرجى أن تقبل معه الصلاة ، ويكون دون صلاة من لم يحدث نفسه بشيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ضمن الغفران لمراعي ذلك لأنه قل من تسلم صلاته من حديث النفس ، وإنما حصلت له هذه المرتبة لمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنه ومحافظته عليها حتى لا يشتغل عنها طرفة عين ، وسلم من الشيطان باجتهاده وتفريغه قلبه . قيل : ويحتمل أن يكون المراد به إخلاص العمل لله تعالى ولا يكون لطلب الجاء ، وان يراد ترك العجب بأن لا يرى لنفسه منزلة رفيعة بأدائها ، بل ينبغي أن يحقر نفسه كي لا تغتر فتتكبر . ويقال : إن كان المراد به أن لا يخطر بباله شيء من أمور الدنيا فذلك صعب وإن كان المراد به أنه بعد خطوره به لا يستمر عليه فهو عمل المخلصين . قلت : التحقيق فيه أن حديث النفس قسمان : ما يهجم عليها ويتعذر دفعها ، وما يسترسل معها ويمكن قطعه ، فيحمل الحديث عليه دون الأول لعسر اعتباره . وقوله : ( يحدث ) من باب التفعيل وهو يقتضي التكسب من أحاديث النفس ، ودفع هذا ممكن . وأما ما يهجم من الخطرات والوساوس فإنه يتعذر دفعه فيعفى عنه ، ونقل القاضي عياض عن بعضهم بأن المراد : من لم يحصل له حديث النفس أصلاً ورأساً ، ورده النووي فقال : الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غيره المستقرة ، ثم حديث النفس يعم الخواطر الدنيوية والأخروية ، والحديث محمول على المتعلق بالدنيا فقط ، وقد جاء في رواية في هذا الحديث : ذكره الحكيم الترمذي في كتاب الصلاة ، تأليفه : ( لا يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا ، ثم دعا إليه إلاَّ استجيب له ) . انتهى فإذا حدث نفسه فيما يتعلق بأمور الآخرة : كالفكر في معاني المتلو من القرآن العزيز والمذكور من الدعوات والأذكار ، أو في أمر محمود أو مندوب إليه لا يضر ذلك ، وقد ورد عن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أنه قال : لأجهز الجيش وأنا في الصلاة ، أو كما قال قوله : ( غفر له ما تقدم من ذنبه ) يعني : من الصغائر دون الكبائر ، كذا هو مبين في مسلم ، وظاهر الحديث يعم جميع الذنوب ، ولكنه خص بالصغائر ، والكبائر إنما تكفر بالتوبة وكذلك مظالم العباد فإن قيل : حديث عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، الآخر الذي فيه : ( خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره ) مرتب على الوضوء وحده ، فلو لم يكن المراد بما تقدم من ذنبه في هذا الحديث العموم في الصغائر والكبائر لكان الشيء مع غيره كالشئ لا مع غيره ، فإن فيه الوضوء والصلاة ، وفي الأول الوضوء وحده وذلك لا يجوز . أجيب : بأن قوله : ( خرجت خطاياه ) لا يدل على خروج جميع ما تقدم له من الخطايا ، فيكون بالنسبة إلى يومه أو إلى وقت دون وقت ، وأما قوله : ( ما تقدم من ذنبه ) فهو عام بمعناه وليس له بعض متيقن ، كالثلاثة في الجمع . أعني : الخطايا ، فيحمل على العموم في الصغائر . وقال بعضهم : وهو في حق من له كبائر وصغائر ومن ليس له إلاَّ صغائر كفرت عنه ، ومن ليس له إلاَّ كبائر خففت عنه منها بمقدار ما لصاحب الصغائر ، ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته بنظير ذلك . قلت : الأقسام الثلاثة الأخيرة غير صحيحة ، أما الذي ليس له إلا ، صغائر فله كبائر أيضاً ، لأن كل صغيرة تحتها صغيرة فهي كبيرة ، أما الذي ليس له إلاَّ كبائر فله صغائر ، لأن كل كبيرة تحتها صغيرة ، وإلاَّ لا يكون